الخطيب الشربيني

588

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الآخرة ، وهذا اختيار الطبري . وقيل : يبدئ البطش ويعيده فيبطش بهم في الدنيا والآخرة ، أو دل باقتداره على الإبداء والإعادة على شدّة بطشه ، أو أوعد الكفرة بأن يعيدهم كما بدأهم ليبطش لهم ؛ إذ لم يشكروا نعمة الإبداء وكذبوا بالإعادة . وَهُوَ أي : وحده الْغَفُورُ أي : الستور لعباده المؤمنين . وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها . وقوله تعالى : الْوَدُودُ مبالغة في الود . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو المتودّد لعباده بالمغفرة ، وعن المبرد : هو الذي لا ولد له . وأنشد « 1 » : وأركب في الودّ عريانة * ذلول الجماع لقاحا ودودا أي : لا ولد لها تحنّ إليه . وقيل : هو فعول بمعنى مفعول كالركوب والحلوب بمعنى المركوب والمحلوب . وقيل : يغفر ويودّ أن يغفر . ذُو الْعَرْشِ ومالكه ، أي : ذو الملك والسلطان كما يقال فلان على سرير ملكه ، وإن لم يكن على سرير ، ويقال : ثلّ عرشه ، أي : ذهب سلطانه ، أو السرير الدال على اختصاص الملك بالملك ، وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة الذي به قوام الأمور ، وقرأ الْمَجِيدُ حمزة والكسائي بجرّ الدال على أنه نعت للعرش أو لربك في قوله تعالى : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ قال مكي : وقيل : لا يجوز أن يكون نعتا للعرش لأنه من صفات الله تعالى ا ه . وهذا ممنوع لأنّ مجد العرش علوّه وعظمه كما قاله الزمخشري . وقد وصف العرش بالكريم في آخر المؤمنين . وقرأ الباقون برفع الدال على أنه خبر بعد خبر . وقيل : هو نعت لذو ، واستدل بعضهم على تعدّد الخبر بهذه الآية ، ومن منع قال لأنها في معنى خبر واحد ، أي : جامع بين هذه الأوصاف الشريفة ، أو كل منها خبر لمبتدأ مضمر ، والمجد : هو النهاية في الكرم والفضل ، والله سبحانه موصوف بذلك وتقدّم وصف عرشه بذلك . فَعَّالٌ أي : على سبيل التكرار والمبالغة لِما يُرِيدُ قال القفال : أي : يفعل ما يريد على ما يراه لا يعترض عليه أحد ، ولا يغلبه غالب فيدخل أولياءه الجنة لا يمنعه مانع ، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر ، ويمهل العصاة على ما يشاء إلى أن يجازيهم ، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء ، فهو يفعل ما يريد . وعن أبي اليسر : دخل ناس من الصحابة على أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه يعودونه فقالوا : ألا نأتيك بطبيب ؟ قال : قد رآني . قالوا : فماذا قال لك ؟ قال : إني فعال لما أريد . وقال الزمخشري : فعال خبر مبتدأ محذوف ، وإنما قال فعال لأنّ ما يريد ويفعل في غاية الكثرة . وقال الطبري : رفع فعال وهو نكرة محضة على وجه الاتباع لإعراب الغفور الودود . تنبيه : دلت هذه الآية أنّ جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى . قال بعضهم : ودلت على أنّ الله تعالى لا يجب عليه شيء لأنها دالة على أنه يفعل ما يريد . هَلْ أي : قد أَتاكَ أي : يا أشرف الرسل حَدِيثُ أي : خبر الْجُنُودِ أي :

--> ( 1 ) يروى البيت بلفظ : وأعددت للحرب خيفانة * جموم الجراء وقاحا ودودا والبيت من المتقارب ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( ودد ) ، وتاج العروس ( ودد ) .